صدى الواقع اليمني - تقرير: حسين الشدادي
يمر النظام القضائي في اليمن بمرحلة دقيقة تتجاذبها التحديات الأمنية، والسياسية، والتكنولوجية، مما يعكس واقعًا متباينًا بين المناطق الخاضعة للحكومة الشرعية والمناطق التي تسيطر عليها مليشيات الحوثي.
وفي ظل تصاعد الجرائم الإلكترونية وانعدام القوانين المنظمة لمكافحتها، عقد رئيس مجلس القضاء الأعلى، القاضي محسن يحيى طالب، لقاءً مهمًا في العاصمة المؤقتة عدن مع نائب رئيس مجلس الشورى، المهندس وحي طه أمان، بحضور عميد المعهد العالي للقضاء، القاضي الدكتور نضال شيخ عبيد، لمناقشة أوجه التعاون بين السلطة القضائية وأجهزة السلطة التشريعية، إضافةً إلى التحديات التي تواجه القضاء في اليمن.
التعاون بين القضاء والتشريع لمواكبة التطورات الرقمية
تناول اللقاء قضايا هامة تتعلق بالمنظومة القانونية في اليمن، وعلى رأسها غياب التشريعات المتعلقة بمكافحة الجرائم الإلكترونية، والتي باتت تشكل تهديدًا حقيقيًا للأمن القومي والاقتصاد الوطني، فضلًا عن خطورتها على البيانات الحكومية والخاصة.
فمع تزايد الهجمات السيبرانية وغياب وسائل الحماية الإلكترونية الفعالة، أصبح اليمن بحاجة ملحّة إلى إطار قانوني حديث يواكب التطورات التكنولوجية المتسارعة.
نائب رئيس مجلس الشورى أشاد بجهود السلطة القضائية في تعزيز سيادة القانون بالمناطق المحررة، مؤكدًا أن التنسيق المستمر بين الجهات التشريعية والقضائية أمرٌ ضروري لضمان بيئة قانونية متكاملة تخدم مصالح المواطنين وتواكب التحديات الراهنة. من جانبه، أكد القاضي محسن يحيى طالب على ضرورة الإسراع في وضع قوانين تنظم الفضاء الرقمي، بما يسهم في تعزيز الأمن السيبراني، ويمنع إساءة استخدام التكنولوجيا الحديثة في الأعمال الإجرامية.
القضاء في مناطق الحكومة الشرعية: تحديات البنية التحتية والاستقلالية
رغم الجهود المبذولة لإصلاح السلطة القضائية في المناطق الخاضعة للحكومة الشرعية، إلا أنها تواجه تحديات متعددة، أبرزها نقص الموارد المالية، وضعف البنية التحتية، وتأثيرات الصراع المستمر، مما يؤثر بشكل مباشر على كفاءة وفعالية النظام القضائي.
1. تأثير الحرب على القضاء:
تسببت الحرب المستمرة منذ سنوات في تدمير العديد من مقرات المحاكم والنيابات، مما أدى إلى تعطل النظام القضائي في بعض المناطق.
كما أن النزوح الجماعي للقضاة والمحامين نتيجة للحرب زاد من معاناة المؤسسات العدلية، حيث اضطرت السلطات القضائية إلى العمل بقدرات محدودة.
2. غياب الدعم الحكومي الكافي:
رغم أهمية القضاء في تعزيز سيادة القانون، إلا أن الدعم الحكومي للسلطة القضائية لا يزال غير كافٍ، مما يعرقل تنفيذ العديد من الإصلاحات اللازمة لتحديث البنية التحتية للمحاكم وتوفير بيئة مناسبة للقضاة والموظفين العاملين في القطاع العدلي.
3. تحديات الجرائم الإلكترونية:
مع تزايد التهديدات الرقمية، تجد الأجهزة القضائية صعوبة في التعامل مع الجرائم الإلكترونية في ظل عدم وجود قوانين واضحة تنظم هذا المجال. مما يتطلب الإسراع في إقرار تشريعات جديدة لحماية البيانات الوطنية ومكافحة الجرائم الإلكترونية.
القضاء في مناطق سيطرة الحوثيين: أداة للهيمنة الطائفية
في المقابل، تعاني السلطة القضائية في المناطق الخاضعة لسيطرة مليشيات الحوثي من تدهور كبير نتيجة التدخلات السياسية والطائفية التي جعلت القضاء أداةً بيد الجماعة، بدلًا من أن يكون مؤسسة مستقلة لخدمة العدالة.
تعديلات حوثية تُضعف استقلالية القضاء
أجرت المليشيات تعديلات جوهرية على قانون السلطة القضائية، مما منحها سيطرة مباشرة على النظام العدلي. حيث استحدثت ما يُعرف بـ"المنظومة العدلية"، التي يشرف عليها محمد علي الحوثي، والتي تتدخل في تعيين القضاة وإصدار الأحكام، ما أدى إلى تفريغ القضاء من مضمونه المستقل.
تعيينات طائفية وإقصاء الكفاءات
عملت الجماعة على تعيين قضاة موالين لها ينتمون إلى السلالة الحوثية، مع إقصاء القضاة المحترفين الذين لا ينتمون لفكر الجماعة. هذا الأمر أدى إلى انهيار الثقة في نزاهة القضاء في مناطق سيطرة الحوثيين، حيث باتت المحاكم تصدر أحكامًا منحازة لخدمة مصالح الجماعة، بدلًا من تحقيق العدالة.
استهداف القضاة وتهديد حياتهم
تعرض العديد من القضاة في مناطق الحوثيين لاعتداءات متكررة، سواءً بالاختطاف أو التهديد أو حتى القتل، ما دفع نادي القضاة في صنعاء والمحافظات الخاضعة للمليشيات إلى إعلان إضراب شامل في أكتوبر 2020، احتجاجًا على الانتهاكات التي تمارسها الجماعة بحق الجهاز القضائي.
القضاء بين الفوضى والانقسام: الحاجة إلى إصلاح شامل
إن واقع القضاء في اليمن اليوم يعكس حالة من الانقسام والفوضى التي تحول دون تحقيق العدالة وإرساء سيادة القانون. وبينما تحاول الحكومة الشرعية استعادة دور القضاء في المناطق المحررة، تواجه السلطة القضائية في مناطق الحوثيين واقعًا أكثر قتامة، حيث تحوّلت المحاكم إلى أدوات قمعية في يد الجماعة.
ولذلك، من الضروري أن تتكاتف الجهود لإصلاح السلطة القضائية، وذلك عبر إعادة تأهيل البنية التحتية للمحاكم والنيابات في المناطق المحررة، وتوفير الموارد المالية اللازمة لدعم الجهاز القضائي.
إلى ذلك فإن إقرار تشريعات حديثة تُنظم الجرائم الإلكترونية، وتضمن الحماية القانونية للأفراد والمؤسسات من المخاطر الرقمية ضرورة ملحة لإصلاح السلطة القضائية
كما أن تعزيز استقلالية القضاء عبر إجراءات قانونية تمنع التدخلات السياسية في شؤون القضاء، تحمي القضاة من الضغوط والتهديدات و تشكيل هيئة قضائية وطنية مستقلة تعمل على توحيد النظام القضائي في اليمن، بعيدًا عن الانقسامات السياسية والطائفية.
ولا يمكن تحقيق الاستقرار في اليمن دون نظام قضائي قوي ومستقل، يضمن العدالة للجميع، ويحمي حقوق الأفراد والمؤسسات.
وبينما تحاول الحكومة الشرعية إصلاح القضاء رغم التحديات، يبقى القضاء في مناطق الحوثيين رهينة لسلطة الجماعة، ما يجعل الحاجة إلى إصلاح شامل أولوية وطنية لا تحتمل التأجيل.
وفي ظل غياب القوانين المنظمة للجرائم الإلكترونية، ومع تزايد التهديدات الرقمية، فإن مستقبل القضاء في اليمن يعتمد على مدى قدرة الجهات التشريعية والقضائية على التكيف مع المتغيرات التكنولوجية، وضمان بيئة قانونية عادلة، تحمي المواطنين وتعزز سيادة القانون.
إرسال تعليق